الملا فتح الله الكاشاني
215
زبدة التفاسير
وهو يأتي الرحمن ، أي : يأوي إليه ويلتجئ إلى ربوبيّته ، عبدا منقادا مطيعا خاشعا خاشيا راجيا ، كما يفعل العبيد ، وكما يجب عليهم ، لا يدّعي لنفسه ما يدّعيه له هؤلاء الضلَّال . ونحوه قوله تعالى : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَه ويَخافُونَ عَذابَه ) * « 1 » وكلَّهم متقلَّبون في ملكوته ، مقهورون بقهره ، وهو مهيمن عليهم ، محيط بهم ، وبجمل أمورهم وتفاصيلها وكيفيّتهم وكمّيّتهم ، لا يفوته شيء من أحوالهم » « 2 » . * ( وَكُلُّهُمْ ) * وكلّ واحد منهم * ( آتِيه يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ) * منفردا عن الأتباع والأنصار ، فلا يجانسه شيء من ذلك ليتّخذه ولدا ، ولا يناسبه ليشرك به . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) فَإِنَّما يَسَّرْناه بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِه الْمُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِه قَوْماً لُدًّا ( 97 ) وكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ( 98 ) ثمّ ذكر سبحانه أحوال المؤمنين ، فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) * سيحدث لهم في القلوب مودّة ، من غير تعرّض منهم لأسبابها ، من صداقة أو قرابة أو اصطناع بمبرّة ، أو غير ذلك ، وإنّما هو اختراع منه ابتداء ، كرامة لأوليائه ، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة ، إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم . وذكر سين التسويف ، لأنّ السورة مكّيّة ، وكان المؤمنون ممقوتين حينئذ بين
--> ( 1 ) الإسراء : 57 . ( 2 ) الكشّاف 3 : 46 - 47 .